
لوحة صانع العطر
في لوحة فنية مبهرة للرسام النمساوي رودلف أرنست في العام 1885م، تنقلنا إلى عالم صناعة العطور في المغرب العربي، حيث نشاهد مرحلة من أهم مراحل هذه الصناعة، وهي استخراج الزيت العطري من الورد الجوري الفواح. تلتقط اللوحة مشهدًا حيًا لشيخ مسن يستقر في زاوية اللوحة اليمنى، وهو ينظر بتمعن إلى فتاتين جميلتين تعملان على استخلاص الزيت العطري من الورد الذي يغطي الأرض باللون الوردي. يعي صانع العطر أهمية المهمة التي يقوم بها، فهو يحاول الحصول على الزيت العطري من الورد الطازج الذي تم قطفه بعناية. ولهذا الغرض، يستخدم طريقة التقطير القديمة، التي تعتمد على تسخين الماء الذي يحتوي على الورد. ولكن هذه الطريقة تتطلب دقة وحرصًا شديدين، فإن زادت درجة الحرارة عن المستوى المناسب، أو طالت المدة التي يتعرض فيها الورد للحرارة، فإن ذلك سيؤدي إلى فقدان الزيت العطري لخصائصه ورائحته الجميلة. لهذا السبب، فإن صانع العطر يتولى مسؤولية مراقبة العملية بعين الاهتمام، خشية أن يحدث أي خلل. وهو يتابع بنظراته الفتاة التي تستخرج الزيت العطري من الورد، خشية أن تضيع عليه ثمرة الورد.
كان للفراعنة دور كبير في تأسيس صناعة العطور، فهم أول من استخدموا الزيوت العطرية والبخور في الطقوس الدينية والجنائزية والتجميلية. كانت العطور مخصصة للكهنة والملوك والأثرياء فقط، وكانت تعبر عن رفاهية وقوة وشرف. طرق صناعة العطور عند الفراعنة بسيطة الفكرة لكنها فعالة، فهم استخدموا طريقتين رئيسيتين: الأولى هي وضع الأزهار في لوحات من ورق البردي، ولفها بشكل دائري، ثم عصرها بقوة لإخراج الماء المعطر منها. والثانية هي حرق الأزهار والأعشاب والبلسم في قدور خزفية، لإنتاج دخان عطري يملأ الجو. كان من أشهر أنواع العطور التي صنعها الفراعنة: عطر كيبري، وهو عبارة عن خليط من زهرة الزنبق والحناء والزعفران والقرفة. وعطر سوسن، وهو عبارة عن خليط من جذور نبات السوسن والزيتون والزباد. وعطر مت، وهو عبارة عن خليط من راتينج شجرة المير أو المِره، والذي كان يستخدم في تحضير بلسم التحنيط.
المغاربة هم سكان شمال غرب إفريقيا، التي تشمل المغرب والجزائر وتونس وليبيا. كان للمغاربة تأثير كبير في صناعة العطور، فهم استفادوا من التجارة مع شرق آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، واستوردوا العديد من المواد العطرية، مثل المسك والعنبر والعود والورد والياسمين والزعفران. كانت طرق صناعة العطور عند المغاربة متنوعة ومبتكرة، فهم استخدموا طريقة الاستقطار بالماء، وهي عبارة عن تسخين مزيج من الماء والأزهار في قدر مغلق، ثم تبريد البخار في أنبوب مائل، ليتكثف في إناء آخر. وهذه الطريقة كانت تستخدم لإنتاج ماء الزهور، مثل ماء الورد وماء الياسمين. كما استخدموا طريقة التقطير بالزيت، وهي عبارة عن نقع الأزهار في زيت نباتي، مثل زيت الزيتون أو زيت اللوز أو شمع النحل لفترة طويلة، ثم تسخينها بحرارة معتدلة، لإذابة الروائح في الزيت. وهذه الطريقة كانت تستخدم لإنتاج العطور الزيتية، مثل عطر المسك وعطر الورد.
كان من أشهر أنواع العطور التي صنعها المغاربة: عطر المسك، وهو عبارة عن خليط من زيت المسك الحيواني أو النباتي، مع زهرة البرتقال والفانيليا والصندل. وعطر المجانية، وهو عبارة عن خليط من زهرة المجانية، التي تشبه رائحة الفاوانيا، مع زهرة البرتقال والفلفل الأسود. وعطر شبه الجزيرة، وهو عبارة عن خليط من خشب العود والورد والزعفران والفانيليا.

عطور الشرق وشعراء العرب
العطر في الشعر العربي ليس مجرد عنصر جمالي، بل هو جزء من تراثنا وثقافتنا. عبر الأزمان، استمر العطر كعنصر فني وثقافي مهم، يرتبط بشكل عميق بالشاعر والقارئ على حد سواء. ليس هناك ما يلامس الروح كما يفعل العطر، فهو يسكن في نفوس الناس، ويحتل مكانة في ذكرياتهم وفي أيامهم ولياليهم. إذا كان العطر جذابًا في بدايته، فهو أكثر جاذبية في نهايته. لقد خطّ له التاريخ صفحات وأسطر، وأصبح له تاريخ خاص في عالم الصناعة. العطر هو الذي جعل الشعراء ينثرون رونقهم في قصائدهم، مستخدمين أجود أنواع الزهور والمسك.
كما أن الشعراء قد عطرُوا التاريخ بأبياتهم الرائعة. امرؤ القيس ليس مجرد شاعر، بل هو فنان في استخدام العطر لوصف جوانب متعددة من الحياة والحب. وكذلك، نزار قباني، الذي أضاف لشعره سحر ياسمين دمشق.
إذا قامَتَا تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُما نَسيمَ الصَّبا جاءَتْ بِرَيَّا القَرَنْفُلِ
فَفَاضَتْ دُموعُ العَينِ منِّي صَبابةً على النَّحْرِ حتَّى بَلَّ دَمعيَ مِحمَلي
هذه أبيات لامرؤ القيس، نجد وصفًا للطيب والعطر كعناصر لا تتجزأ من مشهد الحب. ومن هنا، يصبح واضحًا أن العطر ليس مجرد رائحة، بل هو لغة تعبر عن الثقافة والهوية والتاريخ.
ابن معتوق الأندلسي يستخلص من جمال محبوبته العطري النابض ويقول:
خفرت بسيف الغنج ذمة مغفري وفرت برمح القد درع تصبُري
وجلت لنا من تحت مسكة خالها كافور فجر شق ليل العنبر
الخزامى كانت لها مكانة مرموقة في شعر العرب، حتى تنافست مع المسك في جاذبيتها. كان الشعراء يستخدمونها لإضافة لمسة متميزة لقصائدهم. عبيد بن الأبرص مثلاً يقول:
وملن إلينا بالسوالف والحلى وبالقول فيما يشتهي المرح الخالي
كأن الصبا جاءت بريح لطيمة من المسك لا تُسطاع بالثمن الغالي
وعنترة يضيف:
وريح الخزامى يُذكِّر أنفي نسيم عذارى وذات الأيادي
بهذه الطريقة، يسهم المقال في توضيح دور العطر في الثقافة العربية، وخاصة في الشعر العربي، معتبرًا إياه أكثر من مجرد عنصر جمالي، بل هو عنصر تعبيري وثقافي يرتبط بالهوية العربية. في عصر الدولة العباسية، باتت العطور جزءًا لا يتجزأ من التجارة والثقافة، مع تنامي العلاقات التجارية بين الشرق والغرب، زاد الطلب على هذه الروائح الفريدة، مما أسهم في ازدهار فن العطارة. كانت تجلب لهم لعطورالتي تحتوي على مكونات نادرة مثل المسك والعنب, هذه الروائح الثمينة، تأتينا من مناطق بعيدة مثل الصين والتبت، بينما يأتي العنبر من عمق البحار.
في الختام، يظل العطر أكثر من مجرد رائحة، إنه فن وإحساس وذاكرة ترسخ في الوجدان، يترك أثرًا لا يُنسى في النفوس والذكريات، مُعطرًا ليالينا وأيامنا. العطر في التاريخ ليس مجرد مادة، بل هو إرث وتاريخ، عبق به الشعر والحياة.